الخطيب الشربيني
330
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
أنفسهن لك فتؤويها إليك وتترك من تشاء فلا تقبلها ، وروى هشام عن أبيه قال : « كانت خولة بنت حكيم من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي صلّى اللّه عليه وسلم فقالت عائشة : أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل فلما نزلت ترجي من تشاء منهن قلت : يا رسول الله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك » « 1 » ذلِكَ أي : التفويض إلى مشيئتك أَدْنى أي : أقرب أَنْ أي : إلى أن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ أي : بما حصل لهن من عشرتك الكريمة ، وهو كناية عن السرور والطمأنينة ببلوغ المراد ؛ لأن من كان كذلك كانت عينه قارة ، ومن كان مهموما كانت عينه كثيرة التقلب ، هذا إذا كان من القرار بمعنى السكون . ويجوز أن يكون من القر الذي هو ضد الحر ؛ لأن المسرور تكون عينه باردة ، والمهموم تكون عينه حارة ، فذلك يقال للصديق : أقر الله تعالى عينك . وللعدو : سخن الله عينك وَلا يَحْزَنَّ أي : بالفراق وغيره مما يحزن من ذلك وَيَرْضَيْنَ لعلمهن أن ذلك من الله تعالى بِما آتَيْتَهُنَّ أي : من الأجور ونحوها من نفقة وقسم وإيثار وغيرها . ثم أكد ذلك بقوله تعالى : كُلُّهُنَّ أي : ليس منهن واحدة إلا هي كذلك ؛ لأن حكم كلهن فيه سواء ، إن سويت بينهن وجدن ذلك تفضلا منك ، وإن رجحت بعضهن علمن أنه بحكم الله تعالى فتطمئن نفوسهن ، وزاد ذلك تأكيدا لما لذلك من الغرابة بقوله تعالى : وَاللَّهُ أي : بما له من الإحاطة بصفات الكمال يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ أي : الخلائق كلهم ، فلا يدع أن يعلم ما في قلوب هؤلاء وَكانَ اللَّهُ أي : أزلا وأبدا عَلِيماً أي : بكل شيء من يطيعه ومن يعصيه حَلِيماً لا يعاجل من عصاه بل يديم إحسانه إليه في الدنيا ، فيجب أن يتقى لعلمه وحلمه ، فعلمه موجب للخوف منه وحلمه مقتض للاستحياء منه ، وأخذ الحليم شديد ، فينبغي لعبده المحب له أن يحلم عمن يعلم تقصيره في حقه ، فإنه سبحانه يأجره على ذلك بأن يحلم عنه فيما علمه منه ، ويرفع قدره ويعلي ذكره . وروى البخاري في التفسير عن معاذ عن عائشة أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية تُرْجِي مَنْ تَشاءُ الآية قلت لها : ما كنت تقولين ؟ قالت : كنت أقول له : إن كان ذاك إليّ فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحدا » « 2 » . ولما أمره الله تعالى بالتخيير وخيرهن واخترن الله ورسوله زاد الله تعالى سرورهن بقوله تعالى : لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ أي : بعد من معك من هؤلاء التسع اللاتي اخترنك شكرا من الله لهن ؛ لكونهن لما نزلت آية التخيير اخترن الله ورسوله فحرم عليه النساء سواهن ، ونهاه عن تطليقهن وعن الاستبدال بهن بقوله تعالى : وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ أي : هؤلاء التسع ، وأعرق في النفي بقوله تعالى : مِنْ أي : شيئا من أَزْواجٍ أي : بأن تطلقهن أي : هؤلاء المعينات أو بعضهن وتأخذ بدلها من غيرهن وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ أي : النساء المغايرات لمن معك . قال ابن عباس : يعني أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب ، فلما استشهد أراد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أن يخطبها فنهي عن ذلك ، وقرأ أبو عمرو لا تحل لك بالتاء الفوقية والباقون بالياء التحتية ، وشدد البزي التاء من أن تبذل . تنبيه : في الآية دليل على إباحة النظر إلى من يريد نكاحها لكن من غير العورة في الصلاة ،
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير القرآن حديث 4788 . ( 2 ) أخرجه البخاري في تفسير القرآن حديث 4789 .